فخر الدين الرازي
312
تفسير الرازي
لا يمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة ، وقال الليث : يقال : رصصت البناء إذا ضممته ، والرص انضمام الأشياء بعضها إلى بعض ، وقال ابن عباس : يوضع الحجر على الحجر ثم يرص بأحجار صغار ثم يوضع اللبن عليه فتسميه أهل مكة المرصوص ، وقال أبو إسحق : أعلم الله تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص ، وقال : ويجوز أن يكون على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة ، وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص ، وقيل : ضرب هذا المثل للثبات : يعني إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الثابت المستقر ، وقيل : فيه دلالة على فضل القتال راجلاً ، لأن العرب يصطفون على هذه الصفة ، ثم المحبة في الظاهر على وجهين أحدهما : الرضا عن الخلق وثانيها : الثناء عليهم بما يفعلون ، ثم ما وجه تعلق الآية بما قبلها وهو قوله تعالى : * ( كبر مقتاً عند الله أن ) * نقول تلك الآية مذمة المخالفين في القتال وهم الذين وعدوا بالقتال ولم يقاتلوا ، وهذه الآية محمدة الموافقين في القتال وهم الذين قاتلوا في سبيل الله وبالغوا فيه . ثم قال تعالى : * ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) * . معناه أذكر لقومك هذه القصة ، و * ( إذ ) * منصوب بإضمار أذكر أي حين قال لهم : * ( تؤذونني ) * وكانوا يؤذونه بأنواع الأذى قولاً وفعلاً ، فقالوا : * ( أرنا الله جهرة ) * ( النساء : 153 ) ، * ( لن نصبر على طعام واحد ) * ( البقرة : 61 ) وقيل : قد رموه بالأدرة ، وقوله تعالى : * ( وقد تعلمون أني رسول الله ) * في موضع الحال ، أي تؤذونني عالمين علماً قطعياً أني رسول الله وقضية علمكم بذلك موجبة للتعظيم والتوقير ، وقوله : * ( فلما زاغوا ) * أي مالوا إلى غير الحق * ( أزاغ الله قلوبهم ) * أي أمالها عن الحق ، وهو قول ابن عباس وقال مقاتل : * ( زاغوا ) * أي عدلوا عن الحق بأبدانهم * ( أزاغ الله ) * أي أمال الله قلوبهم عن الحق وأضلهم جزاء ما عملوا ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) * قال أبو إسحق معناه : والله لا يهدي من سبق في عمله أنه فاسق ، وفي هذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إنه يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى * ( وقد ) * معناه التوكيد كأنه قال : وتعلمون علماً يقينياً لا شبهة لكم فيه . ثم قال تعالى : * ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يابَنِى إِسْرَاءِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ